في
السياسة يطلق لقب "الشعبوي" على من يمارس ذلك النوع من الخطاب السياسي
الذي يمثل فيه دور البريء الصادق، بقصد دغدغة مشاعر الشعب أو العامة ويتحدث فيه بلسان
الشارع ليجني بذلك أكبر قدرا من التأييد والحشد لدعم مشروعه السياسي أو الانتخابي.
على رأس هؤلاء في عصرنا الحالي الرئيس الأمريكي ترامب حيث يستخدم كلمات شعبوية رنانة
بعيدة كل البعد عن الخطاب الدبلوماسي السياسي النخبوي تسحر الأسماع وتأسر القلوب،
مثل "نريد استعادة أموالنا المسروقة" ، "نريد أن نعيش كأمريكيين في
بيوتنا آمنين بلا إرهاب" "سوف نجعل الولايات المتحدة قوية مرة
أخرى".
هل نرى
في مجتمعاتنا الوظيفية شعبويين أو ترامبيين؟! بالتأكيد الإجابة نعم، ولكن بشكل
مختلف قليلاً.
يظهر
الشعبويين بشكل جلي في الآونة الأخيرة حيث تشهد المملكة هذه الأيام تحولاً سريعاً
في كافة الأصعدة استجابة لرؤية 2030، مما يتطلب تغييراً جذريا كبيرا في الهياكل
التنظيمية للقطاعين العام والخاص ومتطلبات العمل وآلياته والجدارات الوظيفية
والثقافات التنظيمية التي تتماشى طردياً مع سرعة وتيرة التغيير. وفي الوقت ذاته يحدث
خلف كواليس هذا المشهد انتقال تدريجي لدفة القيادة والتأثير إلى جيل الألفية
الجديد الذي تتراوح أعمار منتسبيه "فكرياً" وليس عضوياً بين العشرين
والخمسة والثلاثين. حيث يتصف هذا الجيل الشاب مجملاً بخصائص اجتماعية جديدة مثل
الشراسة والتمرد والاستقلالية والاعتماد على التقنية تقريباً في الشؤون الحياتية والعلمية
والعملية.
ما
علاقة هذا بموضوع المقال؟! الجواب واضح.. هناك جيل لم أتطرق إليه حتى الآن.. إنه جيل
منتصف العمر (ما فوق الخمسة والثلاثين إلى الخمسين)؟! كيف يتعامل منتسبو هذا الجيل
مع موجة التغيير؟!
لدى هذا
الجيل نزعة العملانية أو البراغماتية .. بمبدأ " لم أعد أثق بالوعود أو المستقبل.. أرني نتائج
عملية الآن غير ذلك اعتبره مجرد تنظير وفلسفة لا فائدة منها". السبب في ذلك
برأيي يعود إلى تلقي هذا الجيل خلال زهرة شبابه صدمات عديدة جعلته لا يثق في تعريف
الفساد والنظريات والابتكار والطموحات البعيدة واستشراف المستقبل. كل ما تعلمه في
الكتب لم يره في حياته واقعاً ملموساً. بالطبع لا نلقي باللوم على من تعلم في مدرسة
جيل منتصف العمر، هي مدرسة واقعية خرجت طاقات عملية لها بصمة واضحة في وقتنا
الحاضر. نستطيع القول بأن خريجي هذه المدرسة سيعانون إلى حد كبير في تقبل ثقافة
المجتمع الوظيفي الحديث.
بشكل
عام ينقسم منتسبو جيل منتصف العمر إلى ثلاث مجموعات. المجموعة الأولى وهي التي يمثلها
ذلك الفرد الذي تكاد لا تستطيع التعرف على عمره الحقيقي نظراً لتفتح عقليته وروحه
التعلُّمية السريعة وتأقلمه المرن مع التغيير بل والمساهمة فيه بشكل إيجابي.
والمجموعة الثانية هي المجموعة المتذبذبة أو المترددة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء،
يوم ترى الفرد فيها يرفض كل جديد ويستذكر أيام الصبا بشكل متكرر، وتارة تجده
يتأقلم تدريجيا مع التغيير ويستمع لوجهات النظر بشكل إيجابي. أما المجموعة الأخيرة
"الشعبوية" وهي صلب موضوع المقال. هي تلك التي بدأت فعلياً في اتخاذ
إجراءات عملية لمقاومة التغيير وعدم الترحيب في جيل الألفية الجديد.
المرجح أن
معظم منتسبي جيل منتصف العمر لم يستعدوا برأيي لهذه الحقبة الزمنية المفاجئة.. ظنوا
لوقت طويل أن التميز الوظيفي هو البقاء في وظيفة مستقرة لأطول وقت ممكن، والانضباط
في الحضور والانصراف، وأداء ما يطلبه المدير، واحترام بيئة العمل ، دون النظر إلى
عائد تلك العوامل على خطة الموظف الوظيفية المستقبلية وطموحاته.
المجموعة
الثالثة هي في الغالب موطن تواجد الشعبويين الوظيفيين. كردّة فعل طبيعية جراء التمايز
الثقافي بين الجيل الشاب وجيل منتصف العمر ظهر على سطح المجتمع الوظيفي ظاهرة
اجتماعية طبيعية نستطيع تسميتها ب "الشعبوية
الوظيفية" يحاول فيها أحد الموظفين
المتضررين ممن ينتمون إلى المجموعة الثالثة إظهار الشجاعة والمقاومة وإثبات الوجود
بتسخير كل ما لديه من قدرات ومهارات للتأثير في دهماء الموظفين وحشد أكبر عدد من
أصواتهم وتصفيقهم لترويج مظلوميتهم ومحاربة ما يسميه ب "الجيل الشاب اليافع ناعم الجلد الذي لا يعرف معنى النضال والكفاح
في الحياة العملية، الجيل الذي لا يثمن الخبرة والأقدمية ويسعى إلى سحب البساط من
تحتنا نحن الأربعينيين".
بلا شك
أن مصير مجمعة الشعبوية حتما الخسارة بل وبشكل عاجل. سرعان ما يتخلى عنهم
جماهيرهم الغوغائية وذلك بسبب تزيين الرسائل بالعبارات العاطفية وانعدام الأصالة والحقائق.
يفضل الجميع سماع الحلول ذات الكلمة السهلة الرنانة ولكنها ليست بالضرورة أفضل الحلول.
وفي المقابل سيعاني الجيل الشب كثيراً إذا زادت ثقته بنفسه وبقدراته عن اللزام
فتحولت إلى تمرد وغرور. عندها ستفتقر المنظمة إلى صوت الحكمة والرزانة فتجد نفسها
عالقة في حل قضايا لا يحلها إلى الخبراء.
يفضل التعامل
مع مجموعة الشعبوية بالرفق والإقناع والحجة وتقويم مواقفهم السلبية بذكاء وأدب وتقديرهم.
وتعتبر فرصة ذهبية للمنظمات لتفهم احتياج منتسبي هذا الجيل وإبراز خبراتهم
وإنجازاتهم، وتسخير الإمكانيات لهم للتدريب والاستشارات، وترجمة معارفهم إلى
محتويات رقمية تعود بالنفع على الأجيال القادمة.
سعد
الدوسري
@SaadAldosari123
No comments:
Post a Comment